تقرير/محمد عثمان آدم

الخرطوم 23-6-2020 (سونا)- بين التوقعات العالية وسط جماهير الشعب السوداني واشتراطات الاتحاد الاوروبي حول المشروعات التي يمكن ان يوفر لها التمويل، ينعقد بالعاصمة الالمانية برلين، اسفيريا، في الخامس والعشرين من الشهر الجاري مؤتمر المانحين للسودان.

و يجتمع  يوم الخميس المقبل المانحون ،مع السودان والامم المتحدة والاتحاد الاوروبي بدعوة من المانيا في مؤتمر شراكة والملتزمين الاخرين ممن يرغبون في إنجاح الفترة الانتقالية في السودان وهم حوالي 40 دولة اضافة لمؤسسات ومنظمات وصناديق مالية متمثلة في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. يتوقع منها أن تضمن للسودان استثمارات قوية  في البني التحتية.

لكن الملاحظ هو ارتفاع سقف التوقعات بين عامة الناس حول مخرجات هذا المؤتمربينما المتوقع ان تؤتي اكلُ هذه الشراكة على الاقل بعد عام من انعقاد المؤتمر. ومن غير المتوقع ان يتطرق هذا المؤتمر لتوفير الخبز والبترول والادوية في السودان وانما ينصب علي مشروعات مدروسة ودقيقة: ذلك ان دول الاتحاد الاووربي وغيرها  تواجه اثار جائحة كورونا وتسعى لتعافي اقتصادها وليس من المتوقع ان تنفق على مشروعات قصيرة او متوسطة الامد في اي بلد والسودان ليس استثناءً. الحكومات الاوربية ستقتصر دون شك انفاقها على المشروعات طويلة الامد ولكنها تقصر ذلك ايضا على الفترة الانتقالية: اي تزرع في الفترة الانتقالية بشقيها العسكري والمدني لكن الحصاد يكون ما بعد الانتقالية حينما يصفو الوضع للحكومة المدنية المنتخبة.

 لكن السؤال هو كيف تجري المواءمة بين التوقعات العالية للشعب السوداني حول مخرجات المؤتمر وموقف الدول المانحة التي تتطلب ان تكون  المشروعات المقدمة خاضعة لعدد من الاشتراطات؟ وكم عدد وطبيعة هذه المشروعات التي قدمها السودان وما يتوقع ان يجد منها التمويل وهل صحيح ان التمويل يقف في حدود مئات الملايين من اليوروهات؟  مع ذلك تظل حقيقة انه وان اجيزت كافة المشروعات العشرين من حيث المبدا فسيظل التمويل قاصراً على نسبة لا تتجاوز ال 40% من المشروعات المقدمة . وذلك قد يعلل لماذا طالب رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك ان يكون التاكيد على الشراكة لا على التمويل فحسب وان يفتح الباب للسودان حتي تستغل موارده و ينجذب اليه الممولون لا المانحون.

والاجابة تكمن في السؤال التالي: حتى بعد ان يلتئم المؤتمر ويخرج بقرارات محددة الا يظل استمرار وجود السودان في القائمة الامريكية للدول الراعية للارهاب عائقا دون تعافي السودان واندماجه واستفادته من مؤسسات التمويل العالمية والمؤسسات النقدية؟ فالسودان لم يتمكن من الاستفادة من الدعم المرتبط بجائحة كورونا لان اسمه ظل قابعا في تلك القائمة.

وذلك يطرح السؤال التالي هل يتوقع السودانيون موقفا وفعلا سياسيا من الاتحاد الاوروبي رغم ان المؤتمر في طبيعته ودعوته اقتصادي، حتي يخرج السودان من القائمة وبالتالي يصبح غير معتمد علي المانحين الا بالقدر الذي يساعده على احياء وإكمال البنيات الاساسية؟ ولا يتوقع المرء ان يدخل الاتحاد الاوروبي في صراع اومماحكة مع الولايات المتحدة الامريكية من اجل السودان، انما المنتظرهو الاستمرار في المسار الحالي بارسال رسائل لامريكا بان السودان يسير في طريق العودة الي المدنية الكاملة وانه قد اعاد الشركات التي كان يسيطر عليها الامن والجيش الى ولاية وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، بانتظار ان تاخذ اجراءات الرفع من القائمة الامريكية دورتها.

الا انه و بعد رفع الحظر وإزالة اسم السودان من القائمة الراعية للارهاب تظل برامج الاصلاح الاقتصادي هي مصدر قوة الحكومة. ولعل قرارين اتخذتهما الحكومة ينبئان عن الاتجاه الذي تزمع السير فيه: فقد رفعت الحكومة الان فعلا الدعم عن البنزين وسيكون ذلك مصير الجازولين، اذا ان من المتوقع ان تحكم الحكومة توزيع الجازولين المدعوم جزئيا على القطاعات المنتجة فقط مثل الزراعة وتربية الحيوان مع تشديد الخناق علي التسريب والتهريب ورفع السعر بحيث يكون سعر السوق هو السائد وبحيث يصبح من الخطل تهريب المشتقات البترولية الى خارج السودان ان كانت الشقة بين السعر في السودان وفي دول الجوار الافريقي الاخري هينة مستصغرة لا تستحق المجازفة ولا تغطي تكلفة التهريب.  اما القرار الثاني فهو ذو شقين زيادة الاجور اولا و توفير الدعم النقدي لعدد من  الاسر ثانيا مثل التجربة التي بدات بسوبا غرب و المؤمل ان تعم السودان كله.

ياتي سؤال يطرحه المرء هل هذه الاصلاحات هي الرسالة التي تريد الحكومة السودانية ان توصلها؟ هل تعطي هذه الاصلاحات اشارة بان هذا اتجاه الحكومة و بالتالي يبني الاتحاد والمؤتمر عليه مواقف مع او ضد دعم السودان.؟  مما لا شك فيه ان الاوربين يفضلون تنفيذ الاصلاحات الاقتصادية و المالية و ان كانت قاسية و يسعون الى التخفيف mitigatation  بتطبيق برامج الدعم المالي المادي المباشر لا دعم السلع والذي يستفيد منه الاغنياء واللفقراء علي حد سواء. و برامج الدعم المالي طبقت في افريقيا وفي امريكا اللاتينية وافضت لنتائج ممتازة ولكنها تتطلب تفهما من الراسمالية واصحاب الاعمال والمستثمرين لتنجح، ولكن كيف تنجح في السودان و احد اهم عناصر الحاضنة السياسية للحكومة تعارضها معارضة ضروس؟؟

 

 لكن سؤالا محوريا يظل يدور في الاذهان لماذا لم يتم التوقيع على اتفاق السلام في جنوب السودان والى اي مدى  يمكن ربط نجاح مؤتمربرلين بتحقيق السلام في مناطق دارفور وجنوب كردفان والنيل الازرق؟ وتاجيل توقيع اتفاقية السلام من جوبا رسالة للمؤتمرين وسعيا للضغط على الحكومة من قبل حركات الكفاح المسلح؟

تلك تساؤلات ستجيب عليها مخرجات المؤتمر. و ان غدا لناظره قريب.

أخبار ذات صلة