تقرير عاكفة الشيخ بشير

الخرطوم في 9/5/2019 (سونا )

القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية تضم وزارة الدفاع ووحداتها العسكرية ومقار أخرى أمنية، تقع وسط الخرطوم على مقربة من مطار الخرطوم الدولي وتتفرع عنها  طرق حيوية تؤدي لجهات مختلفة. تم اختيارها من قبل تجمع المهنيين السودانيين لتنفيذ الاعتصام بها منذ السادس من أبريل الماضي احتجاجا على ما آلت إليه البلاد من تردٍ ومشاكل أبرزها المشاكل الاقتصادية التي ألقت بظلال سالبة على الحياة اليومية للمواطنين وتدهور الجنيه السوداني وارتفاع الأسعار وذلك رغم إعلان حالة الطوارئ في 22 فبراير 2019 م وذلك قبيل عزل الرئيس المخلوع عمر البشير.

وقد تم اختيار المكان لعله كرمزية لاحتماء المعتصمين بالجيش، وتزامن ذلك مع ذكرى الانتفاضة الشعبية في السادس من أبريل، 1985 م التي أطاحت بحكم الرئيس الاسبق جعفر نميري حين انحاز الجيش للشعب، وكان الاعتصام اكبر حدث في الحراك ضد نظام البشير البائد.

   وزاد الحراك في مقر الاعتصام حيث توافد ثوار من الولايات بأعداد كبيرة اصبحت مليونية واصلت اعتصامها حتى بعد إعلان القوات المسلحة بيانها بعزل الرئيس المخلوع.

والطريق الى القيادة ليس بسهل الوصول، توجد متاريس تجعل دخول السيارات والمواصلات امرا مستحيلا حيث يصل الناس جماعات الى هناك راجلين، ومن يقود سيارة يجد على الطريق متاريس ولافتات بعبارات فيها شيء من الاعتذار مثل (عفوا الوطن تحت التشييد) و (طول بالك الحصة وطن) والحصة وطن عبارة تم استخدامها على الصعيد الرسمي كرسالة للمعتصمين من رئيس المجلس العسكري الانتقالي.

وبرغم الصعوبات يتوافد للقيادة يوميا مئات الآلاف من المواطنين  يمثلون مختلف الوان الطيف بأعمار مختلفة في تلاحم بين الأجيال حيث يتوافد إليها الشيب والشباب والأطفال دافعهم في تحمل المشاق أنهم يحملون هموم الوطن واحلامهم بسودان جديد زالت عنه الغشاوة، وبقي ترتيب الصفوف ووحدتها لبناء سودان الغد حيث تذوب الانتماءات في وحدة الهدف ومهما بلغ اختلاف الرؤى وتباينها فهناك قدر يجمع وحدة المطالب وترقب لما يدور من الأطراف المختلفة المعنية بتحقيقها، وترقب لما يصدر من قرارات وبيانات ونقاشها وتحليلها. وعدد من القضايا تجد اهتماما  كبيرا في الساحة اولها القصاص حيث لم تغب صور الشهداء عن الساحة ولا عن اذهان المعتصمين بدءا من مجدي  الذي تم اغتياله في القضية المشهورة قبل عشرات السنين فيما يختص بالعملات الاجنبية، وتكوين حكومة مدنية، ومحاسبة رموز النظام البائد.

وتعمل على تنظيم الاعتصام لجان كان لها دورها في التأمين والحماية على طول شارع القيادة والشوارع المحيطة به والمؤدية إليه، ضاربين المثل في التنظيم بصورة لافتة وعند دخول الساحة تتم إجراءات التفتيش بشيء من التهذيب حيث يردد الشباب والشابات المسئولون من التفتيش (ارفع ايدك فوق والتفتيش بالذوق) واللافت ان المسئولين عن التفتيش لا يستثنون احدا.

وتلتهب مشاعر الموجودين بالساحة حين تنبعث من مكبرات الصوت الأغاني الثورية ويستدعي البعض ازمانا قديمة حين يردد :

أصبح َ الصبح ُ ولا السجن ُ ولا السجان ُ باق ٍ وإذا الفجر ُ جناحان يرفان عليك

واذا الحزن ُ الذي كحل هاتيك المآقي  والذي شد َّ وثاقا ً لوثاق

والذي بعثرنا في كل وادي .. فرحة ٌ نابعة ٌ من كل قلب ٍ يابلادي.

من كل قلب ٍ يا بلادي

وكان لوسائل التواصل الاجتماعى دورها في إنجاح الحراك، وقد تم التغلب على المشاكل التي واجهت المعتصمين بل جميع السودانيين من انقطاع الشبكة وتوقف بعض الوسائط قبل عزل رئيس العهد البائد. فضلا عن تزويد الساحة بمكتبة تزخر بمختلف الكتب.

ومن اللافت للأنظار تلك الفتاة التي ترتدي الثوب الابيض "آلاء صلاح" تعتلي سيارة وتهتف ويردد الجميع من حولها :

نحن السقينا النيل

من

ﻣﺎ ﺑﻨﻨﻜﺘﻢ ﻧﺴﻜﺖ ..

ﻓﻲ ﻭﺵ ﻋﻤﻴﻞ ﺟﺎﻳﺮ ..

ﺍﻟﺨﻮﻑ ﻋﺪﻳﻢ ﺍﻟﺴﺎﺱ .. ﻭﺃﻧﺎ ﺟﺪﻱ ﺗﺮﻫﺎﻗﺎ ....

ﺣﺒﻮﺑﺘﻲ ﻛﻨﺪﺍﻛﺔ.

وقد تم تداول صورتها في الاوساط الخارجية والداخلية والوسائط الإعلامية وتم إجراء لقاءات معها  لأدائها المميز الذي اشعل جذوة الحاضرين ولفت الانتباه ثوبها الابيض في  التذكير بأزياء الأمهات والجدات، فاصبحت رمزا لدور المرأة في هذا الحراك ولعل اختيارها للكلمات كان موفقا حيث استدعت ذاكرة الحاضرين تاريخ الامة فبعثت بطاقات إيجابية تجاوب معها الجميع. وقام احد الفنانين التشكيليين برسم صورتها مع إحدى الكنداكات.

وساحة الاعتصام تزخر بمختلف الفنون منها الغناء حيث صدح كبار الفنانين معيدين للأذهان الاناشيد الوطنية، ومن هذه الفنون ما يعد طفرة في النشاط الإبداعي حيث ابدع الفنانون التشكيليون في رسومات تحمل إشارات ومدلولات محددة تعبر عن الثورة من صور لضحايا، وصور لرؤوس بشرية على هيئة كيزان محاطة بالأغلال (كدلالة رمزية).

وتعمل مجموعة من الفنانين التشكيليين على رسم لوحة جدارية يبلغ طولها 3 آلاف متر تحتوي على رسوم تعبر عن روح الثورة ويوقع عليها الثوار على أن يتم تحديد مكان تعليقها لاحقا.

ويبدع بعض التشكيليون في رسم خريطة السودان بطرق مختلفة ومعبرة.

وبالساحة مظاهر حضارية مثل قيام الشباب بنظافتها، وزراعة 6 نخلات أمام القيادة كرمزية للسادس من ابريل  والعمل على طلاء الارصفة والارضيات ويجد المعتصمون في الساحة تجاوبا رسميا وإعلاميا عالميا.

 ورغم ارتفاع درجات الحرارة لأكثر من 40 درجة مئوية،  لم ينثني المواطنون عن اعتصامهم، وجمعت بينهم منذ بداية الحراك شعارات مثل (تسقط بس) و (سلمية سلمية) وهذا الشعار الأخير كان مرتكز النجاح، وتحول شعار (تسقط بس) إلى اغنية تغنى في مناسبات الاعراس التي اقيمت في هذه الفترة كتضامن وإبداء شعور بتذكر قضايا الوطن حتى في هذه اللحظات.

ودخل الاعتصام شهره الثاني تزامنا مع شهر رمضان الكريم ولا زالت حتى الآن أعداد المعتصمين التي بلغت الملايين معتصمة وشهدت الفترة السابقة للشهر الفضيل تجهيزات من اطعمة وخيام وتوفير مبردات وكان المعتصمون يردون عبارات تعني انهم لن يغادروا في شهر رمضان مثل (سقطت ما سقطت صابنها).

في ساحة الاعتصام مظاهر اجتماعية حياتية تمثل اياما في حياة مواطنين بالقيادة العامة حيث استمر توافد الشيب والشباب والاطفال ما يزيد عن الشهر، يلتقي فيها أناس فرقهم الزمن من سنين وجمعتهم هموم الوطن، في هذه الساحة نجد مظاهر التكافل تحت شعار (لو عندك خت ما عندك شيل) ... قبل ذلك كان الجميع يحملون هموما مشتركة لكنها تفرق ولا تجمع تلك هي سبل العيش والمعيشة والبحث عن لقمة العيش الكريم والوقوف في صفوف مختلفة ابرزها صفوف الصرافات وكلها مظاهر وانعكاسات للوضع الذي ساد إبان العهد البائد، وهذه المرة جمعهم حب الوطن ومجموعة من قضاياه ينشدون من خلالها الوصول إلى مجتمع آمن مستقر من خلال شعار واحد (حرية سلام وعدالة) ذلك الشعار الذي اختارته الثورة السلمية لتحقيقه.

وترى جموع المصلين في صلاة الجمعة والصلوات الاخرى بعد دخول شهر رمضان فتذكرك جموعهم بمواقف كثيرة يرفعون جميعهم اكف الضراعة للمولى عز وجل أن يحقق احلامهم في وطن آمن مستقر ينعم بالحرية والسلام والعدالة بعد الوصول لقناعات بأن ما آلت إليه البلاد يستوجب الثورة.

أخبار ذات صلة