تقرير : رقية أحمد الشفيع   

     الخرطوم (سونا)- تطبيقا للقرارات الصادرة عن الدورتين 19 و20 لمؤتمر وزراء الشؤن الثقافية في الوطن العربي والقاضي بالشروع فورا في اعداد ملف ترشيح النخلة (المعارف والمهارات والتقاليد والممارسات) وذلك باشراف المنظمة العربية للثقافة والعلوم لادراجه في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي للبشرية ، أتاح هذا المشروع فرصة تسجيل تراث النخلة في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لدى اليونسكو ضمن أربعة عشر (14) دولة عربية ، حيث تم تعيين دكتور أسعد عبد الرحمن عوض الله (ضابط إتصال دولة جمهورية السوان)، وهو باحث في التراث،  حيث أعد بحثاً عن تراث النخلة نال به درجة الدكتوراة من قسم الفولكلور بمعهد الدراسات الإفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم ، الأمر الذي يساعد السودان كدولة طرف في تنفيذ اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي لعام 2003م وفي صون تراث النخلة، والتراث الثقافي عامة والتراث الثقافي غير المادي ينمي إحساس الشعوب بهويتها وشعورها بإستمراريتها، كما أن الحفاظ عليه وضمان إنتقاله بين الأجيال يشكل ضماناً لتفعيل وظيفة التراث في حماية تماسك المجتمعات ووحدتها، ووسيلة لتأكيد الذات والتمايز بين الآخرين، وهو في الوقت نفسه وسيلة للقاء بهم للتحاور والتفاهم معهم، كما تم التأكيد على ذلك في ميثاق الوحدة الثقافية العربية لعام 1964م. 

      دكتور أسعد عبد الرحمن عوض الله تحدث (لسونا) من خلال بحثه عن النخلة قائلا: ارتبطت النَّخْلَة بالموروث الثقافي منذ آلاف السنين. فهي رمز للحياة والعمران وعلامة من علامات الحضارة في السودان. ذلك لأنها تمثل العنصر الأساسي في الغذاء والكساء والتعمير ،  اضافة إلى أنَّها قد تميَّزت بمزايا عدة جعلت منها رمزاً ثقافياً مستمراً. وان سعف النخيل نجده قد أصبح جزءاً أصيلاً من معجم التصميمات التشكيليَّة التقليدية. ،  حيث تمَّ تصويره على القدور والأواني الفخارية. ذلك الشكل الذي أُستخدم خلال الفترة المروية ودائماً ما يُرسم في شكل شريط أفقي ذي أشكال هندسيَّة تعلوها صور طبيعية ومن أظهر الاستعمالات التشكيليَّة لجريد النَّخِيْلْ في مروي أنَّ الملوك يُرْسَمُون وهم يحملون في أيديهم جريد النَّخْلْ، وقد نزعت أوراقه إلَّا قليلاً؛ مما يجعله في هذه الصُّورة رمزاً للمعبود أوزريس، فتصير هذه الأفرع رموزاً للخلود. ولقد توسَّع المرويُّون في استعمال الرمز توسعاً كبيراً؛ إذ نجده في صور التتويج، ومناظر المسيرات الملكيَّة، وفي المدافن، كما نجد كذلك أنَّ القصص والأساطير القديمة حفلت بذكر النَّخْلَة باعتبارها الشجرة المقدسة والمباركة، ورمز الخير والخصب. بالإضافة إلى أنَّه قد أُتخذ سعفها رمزاً للقدسيَّة. فيُرفع في مناسبات الترحيب والاستقبال. وفي أقواس النَّصر منذ العصور القديمة وفي كل الديانات السماوية اليهودية والمسيحية والإسلامية. 

    واحتلَّت النَّخْلَة مكانتها في المسيحيَّة منذ أن ولد سيِّدنا المسيح عليه السلام تحتها، فتَحْتَ ظلالها ولدت السيِّدة مريم سيدنا عيسى عليه السلام، وقد كرَّم القرآن الكريم هذه المناسبة بالآيات الكريمة: ( فأجاءها المخاض إلى جذع النَّخْلَة. قالت ياليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً. فناداها من تحتها ألَّا تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً. وهزِّي إليك بجذع النَّخْلَة تساقط عليك رطباً جنيَّا ) . وكان يُقال للنبي عيسى عليه السَّلام ; ذو النَّخْلَة لأنَّه ولد تحت ظلالها، ولمَّا دخل السيِّد المسيح أورشليم، فرشوا له الأرض بسعف النَّخِيْلْ  وأغصان الزيتون .

     و يشير دكتور أسعد الى أثر الثقافة المسيحية على الثقافة السودانية. لعلَّ كل هذه الأسباب هي التي جعلت أن يكون هناك استخدام لجَرِيْدْ النَخِيْل في كل المناسبات الاحتفالية والطقوسية المرتبطة بالعادات، حيث استخدم جريد النَّخِيْل في العادات المرتبطة بدورة حياة الإنسان منذ الميلاد وفي الختان وفي الزواج وفي الموت، ففي الميلاد يدفن كيس الولادة ;المشيمة والحبل السري; أمام غرفة النَّفَسَاء، ويُغْرَس عليه فرع من جريد النَّخِيْلْ ويُرْوَى بالماء  و دائماً ما يَحْمِل العَرِيْسْ في الزواج فرعاً من جَرِيْدْ النَّخِيْل بيده اليُمْنَى. ذلك في الطقس الذي يعرف بـ (السّيْرَة) وهو عبارة عن موكب يتحرَّك فيه العريس من منزله وبرفقته الأهل والأصدقاء قاصدين منزل العروس. فإذا كانت العروس من القرية نفسها يتحرَّك هذا الموكب مشياً على الأقدام، أمَّا إذا كانت تقطن في مكان بعيد، فيتحرك الموكب بواسطة السيارات .

      و يضيف دكتور أسعد  أن استخدام جَرِيْدْ النَّخِيْلْ وارتباطه بعادات وتقاليد دورة حياة الإنسان منذ الميلاد والختان والزواج، أنَّه عند دفن الميِّتْ يتم وضع جَرِيْدَة داخل قبر المتوفي، كما يتم ثبيت جَرِيْدَتَيْنْ فِيْ طرفي القبر، ولعلَّ هذه الممارسة تَيَمُّنَاً بما فعل المصطفى (ص)، لما ورد في الحديث الشريف: (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: مرَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على قبر فقال: ;ائتوني بجريدتين ;. فجعل إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه، فقيل: يا رسول الله أينفعه ذلك؟ قال: ; لن يزال يخفِّف عنه ما دام فيها نَدْو، رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. ويقول هنا القاضي عبد الله أحمد يوسف بأنَّه لا تزال هذه السُّنَّة، أي وضع الجريد الأخضر على القبر، معمولاً بها في المنطقة الشمالية هنالك أيضاً عادات ترتبط بموسم حصاد التمر أو ما يعرف بـ (حَشْ الْتَمُرْ)، إبتداءً من الفَزَعْ أي النفير (العمل الجماعي) الذي يحدث من قبل كل الأهل والأصدقاء لحصاد التمر.

      استعملت  النَّخْلَة وأجزاؤها في الكثير من عناصر أشكال التعبير الشفاهي المختلفة والمتنوعة. حيث ورد ذكرها في الأدب الشعبي بأجناسه المختلفة، وفي العديد من الأشعار، خصوصاً التي تمَّ غناؤها بواسطة المغنيين الشعبيين بالمنطقة. كما ورد ذكر النَّخْلَة كثيراً في المدائح النبوية وهي عنصر من عناصر الأدب الشعبي و كذلك من ضروب الشعر الشعبي شعر الغزل. ويتم فيه تشبيه المحبوبة بالنَّخْلَة كشجرة، أو بمرحلة من مراحل نموها، أو نمو التَّمر، حيث ترد النَّخْلَة في أجناس الشعر الشعبي المختلفة

ترتبط النخلة في منطقة مروي بكل مناحي الحياة، إبتداءً من زراعتها مروراً بنموها  وحصد ثمارها وصولاً إلى الاستخدامات المختلفة لها ولمنتجاتها في الطب التقليدي  ، سيما وأنَّ مجتمع مروي بشكل عام وفقاً لنشاطه الاقتصادي العام، مجتمع زراعي - رعوي. يعتمد بشكل رئيسي على زراعة أشجار النخيل. التي لها الأثر الكبير في تشكيل الموروث الثقافي لأفراده، ويقوم هذا الموروث بكل مجالاته على النخلة.

لقد اشتهرت منطقة مروي بالثراء الثقافي بشكل عام عبر تاريخها الطويل. فهي قد حافظت على موروثها الثقافي الخاص لحد كبير، نسبة لضعف احتكاكها مع المجتمعات الأخرى. هذا، ونسبة لضيق المنطقة السكنية ومحدودية الموارد الاقتصادية، فقد اعتمد سكانها في إبداع تراثهم المادي وغير المادي بعناصره المختلفة على النخلة التي تمثل المورد الاقتصادي الأول لهم. فتميزت العناصر الثقافية لديهم بالتنوع، بما لها من وظائف مختلفة. مع ملاحظة أنَّ هذه العناصر لها بعدها التاريخي المتجذر في الموروث الثقافي بالمنطقة الذي شكَّل هذه الأنماط المادية وغير المادية عبر القرون الطويلة. حيث تشير الدلائل الأثرية في المنطقة إلى استمرارية العديد من هذه الأنماط

الثقافية منذ البدايات المبكرة لمملكة نبتة (1500 ق.م – 308 ق.م).

     و من الممارسات المتداولة في منطقة مروي، وتعتبر من المعارف الطبية، ما يعرف بـ (التَحْنِيْكْ): بعد مولد الطفل وغالباً قبل أن يتناول أي طعام يطالب أهله ممن يتوسمون فيها هدوء الطبع وحسن الخلق والصلاح والنجاح أن (يًرَيِّقْ) أو (يُحَنِّكْ) طفلهم وذلك بأن يمضغ الرجل المحنِّك تمرة مضغاً جيداً ثمَّ يدخلها في فم الطفل ويضغطها على لثته أو يدلكها بها وقد يكتفي بمس لثَّة الطفل بلسانه أو بأصبعه السبابة بعد أن يضعها في فمهه أولاً ويستعمل البعض ماء مُسَكَّرَاً أو لبناً بعد أن يقرأ الرجل الفاضل عليه بعض التعاويذ والناس يربطون أو يتوسمون أن يُربط مستقبل الطفل بالرجل الخير ويؤملون أن ينتقل ما حباه الله به من خصال حميدة عن طريق الريق إلى المولود الجديد.

    كما اكتسب التمر كطعام مفيد أهمية خاصة لأنه ذكر في القرآن الكريم، في أكثر من سورة.

    في مروي يتم صنع ما يعرف بـ (البَرْبوْرْ)، وهو (مَدِيْدَة التَّمْرْ)، وتقدم للمرأة الوالدة عقب الولادة طيلة فترة الأربعين يوماً، وتعرف بـ (أيام النُّفَاسْ)، والتركيز على هذه الوجبة يكون أكثر في الأسبوع الأوَّل بعد الولادة؛ وذلك لأنَّ الناس على قناعة تامة من ناحية معتقدية دينية أنَّه كان طعام مريم عليها السلام حينما ولدت عيسى عليه السلام، وأنَّ الله سبحانه وتعالى إذا كان يعلم بأنَّ هنالك طعاماً مفيداً أكثر من التمر لأرشدها إياه، ويقول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه أطعموا نساءكم في نفاسهن التمر، فإنه من كان طعامها في نفاسها التمر خرج ولدها حليماً، فإنه كان طعام مريم.

ليس في منطقة مروي فحسب بل في كل مناطق السودان، والآن أثبتت الدراسات الحديثة في مجال الأغذية أنَّ للتمر فوائد غذائية عظيمة ويعتبر مصدراً رئيسياً للسكريات والأملاح المعدنية وبعض الفيتامينات والألياف والمواد البكتينية

 كذلك من الممارسات المرتبطة بالمعتقدات الدينية تناول الناس للتمر لحظة الإفطار في

شهر رمضان، إذ يقولون;نَحَلِّلْ الصِّيَامْ فِيْ الفَطُوْرْ بِبَلَحَة;، تيمناً بحديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .

     كما يتم استخدام أجزاء النخلة في الممارسات والمعارف الطبية ، حيث  تستخدم أجزاء شجرة النَّخلة لأغراض علاجية لعدد من الأمراض المختلفة، وللوقاية منها ومن هذه الأجزاء،  حيث يتم بل تمر البَرَكَاوِيْ بماء العطرون، ويقدم كشراب لمريض الملاريا، ويساعد على شفاءه، نوى التمر يستخدم بعد معالجته بطرق مختلفة لعلاج عدد من الأمراض منها، الرَّمَدْ: حيث يتم تحميص النوى في النار حتَّى يصير لونه أسود مثل البن، ثمَّ يسحق، وتكحَّل به العيون المصابة، ويساعد ذلك على شفاءها، سُوْسَة الأسنان: حيث يتم حرق نواة من التمر، ومن ثمَّ وضعها في الضرس المصاب بالسُّوسة لكيِّه،ويؤدي ذلك إلى قتل سوسة الضرس.

 

كذلك يصنع القُطْرَان من نوى التمر ويستخدم لمداواة عدد من الأمراض التي تصيب الإنسان والحيوان، منها البواسير، و(القُوْبْ)، وهذه تصيب الإنسان، ومرض الجَرَبْ الذي يصيب الحيوانات، ويستخدم القُطْرَان أيضاً بمسحه على الأدوات الجلدية كالسَّوْط الذي يصنع من الجلد، أو السِّعِن من جلد الماعز لحفظ المياه ؛ وذلك من أجل تطريتها وليونتها للمحافظة عليها.

   كما يتم دَرْس نوى التمر وخلطه بالذرة؛ ليقدم كطعام للأبقار والأغنام، ويمتاز بأنه مدر للألبان، بالإضافة إلى فائدته الغذائية حيث يزيد من وزن هذه الحيوانات.

ليف النخيل: يتم بل اللِّيْف في الماء لمدة ثلاثة أيام، حتى يصير لون الماء أحمر، ويستخدم هذا الماءلعلاج مريض الحصبة بمسحه على البثور التي تصيب الجسم. كما يستخدم ليف النَّخِيْل لنظافة الجسم عند الاستحمام.

العرّوْقْ، وهو قعور الجريد التي تترك على ساق النخلة بعد قطعه: حيث يتم قطع هذه الأجزاء وحرقها، ويستخدمها مرضى الرطوبة بتعريض الجزء المصاب من الجسم لدخان وحرارة العرّوْقْ، ويساعد ذلك على شفاء المريض من الرطوبة، كما تستعمله النساء بالطريقة نفسها بهدف تثبيت مادةالحناء التي تستخدم للزينة، حيث يُحِيْل دُخَان (الكَرّوْقْ) أو العروق لون الحناء إلى اللون الأسود الدَّاكن.

جريد النَّخِيْل: يستخدم لتجبير الكسور بعمل ما يعرف بـ (الطَّاب)، وهو عبارة عن مجموعة من قطع جريد النخيل ومقياس القطعة قدم، حيث يتم طي الجزء المصاب بالكسر من جسم الإنسان بقطعة من القماش، ورصف مجموعة قطع الجريد حول هذا الجزء بوضع طولي لتأخذ الشكل الأسطواني، ثمَّ ربطها، والغرض منها تثبيت الجزء المكسور في وضع مستقيم حتى يتم جبره وشفاءه.

سعف النخيل: يداوى به (الفَكَكْ)، أي الفصل، الذي يصيب دائماً مفاصل أصابع القدم، حيث يحدث في بعض الأحيان أن ينزلق شخص بقدمه، ويؤدي ذلك إلى حدوث فصل في مفاصل أصابع القدم،وتتم مداواته بعمل ضفيرة من السعف حول القدم، ووظيفتها شد الجزء المفصول وإرجاعه لوضعه الطبيعي، بعد جفافها، حيث تُتْرك هذه الضفيرة في القدم لمدة يومين، وكلما جفَّ سعفها في القدم تَشْتَد، وبذلك يعود الجزء المفصول لوضعه الطبيعي.

   أما الفنون الحرفية التقليدية، فتتعدد الفنون الحرفية التقليديَّة المرتبطة بالنخلة وتبدأ من زراعتها، التي تتم أولاً بتحضير الفسائل أي الشِّتُول، التي تعرف في المنطقة بـ (التَّصْفِيْحْ)؛ تمهيداً لغرسها، وعملية الغرس.

أخبار ذات صلة